السيد عباس علي الموسوي

31

شرح نهج البلاغة

رؤية العين ووقفوا على ما فيها وعرفوا حقيقتها وهذا على حد قول الإمام في وصف المتقين « فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون » لقد انكشفت لهم الآخرة حقيقة وكما هي ووقفوا على ما غاب عنهم من أحوال أهل البرزخ وما يجري لهم في قبورهم طول هذه المدة التي أقاموا فيها وكأن الآخرة بالنسبة إليهم قد حققت كل ما وعدهم اللّه فيها من العذاب والعقاب والثواب والنعيم ولذا تراهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لم يسمع الناس فينقلون إلى الناس ذلك مما هو ليس تحت طاقة الناس وقدرتهم . . . إنهم اطلعوا على أحوال الآخرة بعين لم ينظر فيها أحد من الناس ولذا راحوا ينقلون إليهم ما ليس عندهم وما لا يرون أو يسمعون . . . ( فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة وقد نشروا دواوين أعمالهم وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها أو نهوا عنها ففرطوا فيها وحمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف ) هذا حال العباد الأتقياء والصورة التي إذا أراد الإنسان أن يستحضرها لهم ويشرحها لمن غاب عنهم . . . إنهم قوم في المقامات المحمودة التي يشكرهم اللّه عليها من حيث توجههم نحوه وتذللهم له وخضوعهم لمقامه الكريم . . . ولو رأيتهم في مجالسهم المعهودة التي يحضرها الملائكة ويشهد لهم بها أهل القرب منه . إنهم قوم فتحوا دفاترهم ونشروا حساباتهم وأخذوا ينظرون في أعمالهم لقد تفرغوا لمحاسبة أنفسهم وأخذوا يعدّون ما ارتكبوا من صغائر الذنوب وكبيرها فهذا أمر إلهي صغير قد نهى عنه ارتكبته وهذا أمر إلهي كبير عصيته فيه فتركته وهذا محرم كبير تجاوزت حدود اللّه فيه فتناولته وهكذا يتتبعون موارد سقطاتهم وعصيانهم وتمردهم ويحصون على أنفسهم كل شاردة أو واردة حتى أتوا على أغلبها فوجدوا الآثام والمعاصي كثيرة لا تستطيع ظهورهم حملها أو القيام بها فأخذوا في البكاء والنحيب وأخذهم الخوف من اللّه والفزع منه إلى أن صرخوا إلى ربهم وأصبحوا في مقام الندم والحسرة يرفعون أيديهم ويتضرعون إلى اللّه بالدعاء أن يمنّ عليهم بقبول توبتهم وإعادتهم إلى رحابه . . . إنها صورة لقوم عرفوا اللّه وعرفوا ما أعده للمطيعين من الثواب ، كما أنهم عرفوا ما أعده للعصاة والمجرمين فطلبوا ثوابه وهربوا من عقابه وخافوه في الصغير والكبير لعلمهم به وبقدرته وصفاته وبمقدار هذه المعرفة كان الخوف منه وكان حسابهم لأنفسهم . . . ( لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى قد حفت بهم الملائكة وتنزلت عليهم السكينة